الشيخ محمد حسين الحائري

328

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

فقدرته عليه محققة لعلمه تعالى بفعله على وجهه لا ينافيه له وإنما يلزم القلب إذا فعل خلاف ما علمه تعالى لكنه محال فاتضح أن استحالة قلب علمه تعالى جهلا راجعة إلى استحالة علمه تعالى بخلاف ما يقع منك بقدرتك لا إلى استحالة قدرتك على خلاف ما علمه فأنت قادر في نفسك على خلاف ما علمه لكنه محال في حقه أن يعلم خلاف ما تعلمه وبالجملة فصدور الفعل من العبد بالاختيار أثر من آثار وجوده الذي هو فعل من أفعاله تعالى وكما أن علمه تعالى محيط بأفعاله محيط بما يترتب عليها من الآثار اختيارية كانت أو اضطرارية لا يقال هناك معلومان وقوع الفعل من الفاعل وقدرته على تركه وبإزاء هذين المعلومين علمان والمنافاة المذكور إنما يتحقق بين المعلوم الثاني والعلم بالأول ولا يجدي فيه العلم بالمعلوم الثاني لأنه إذا كان في نفسه منافيا للعلم الأول كما مر امتنع تحققه فيمتنع العلم به لأنا نقول المعلوم الثاني مأخوذ في المعلوم الأول لان وقوع الفعل إذا كان مستندا إلى القدرة كان أثرا من آثار القدرة وجهة من جهاتها فلا يستقل عنها فمرجع العلمين عند التحقيق إلى العلم بالقدرة وبأثرها المترتب عليها واعلم أن ما ذكرناه من منع استناد وقوع المعلوم فيما مر إلى العلم إنما يتم في علم غيره تعالى وأما في علمه تعالى فإنما يتم على مذهب الأشاعرة القائلين بزيادته على ذاته تعالى وورود البيان المذكور على هذا القول في غاية الظهور ومن العجب العجاب أن الفخر الرازي مع موافقته لأصحابه في القول بزيادة العلم على الذات قال بعد أن أورد الشبهة بالبيان الثاني لو أن جملة العقلا اجتمعوا وأرادوا أن يوردوا على هذا الكلام حرفا واحدا لما قدروا عليه إلا أن يلتزموا مذهب هشام بن الحكم وهو أن الله تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها لا بالوجود ولا بالعدم إلا أن أكثر المعتزلة يكفرون من يقول وهذا القول انتهى أقول أما ما زعمه في حق العقلا من العجز عن رد شبهته فناشئ عن فرط قصوره وضعف شعوره حيث أحسن بنفسه العجز عن الجواب فقاس بها غيره من ذوي الألباب وأما المذهب الذي نسبه إلى هشام بن الحكم فمن مفترياتهم الموضوعة عليه لان الرجل من أجلا أصحابنا في الكلام ومن خواص الإمام الكاظم عليه السلام فكيف يعقل صدور هذا القول منه هذا وأما على القول بعينية علمه تعالى لذاته كما هو الحق المحقق في محله فلا يتم منع استناد الافعال إليه لاستلزامه منع استنادها إلى الذات بل الوجه حينئذ أن يقال استناد الافعال إلى العلم كاستناده إلى الذات فكما أن استنادها إلى الذات ليس على وجه ينافي صدورها عن العبد على وجه الاختيار كما مر بيانه في دفع الشبهة الأولى فكذلك استنادها إلى العلم فإن الاستنادين من جهة واحدة إذ لا تعدد بينهما في الحقيقة واعلم أن قضية القول بعينية العلم للذات أن لا يكون مضافا إلى المعلوم ولا متفرعا عليه وأن لا يكون العلم باللوازم مستفادا من العلم بالملزوم ولا العلم بالمركب متوقفا على العلم بأجزائه ضرورة أن الوجوب الذاتي لا يجامع التوقف والاحتياج وقد أشير إلى ذلك في قوله عليه السلام عالم إذ لا معلوم وسميع إذ لا مسموع وبصير إذ لا مبصر بل قضية بساطة الذات أن يكون علمه بشئ عين علمه بآخر وإلا لزم تركب الذات وكما أن قدرته تعالى عين ذاته بلا توقف على تقرر المقدور في مرتبة ذاته ولا على إمكانه بل قدر وكان المقدور ممكنا كذلك علم وكان المعلوم على الوجه الذي علمه وكما أن تكثر المقدورات لا ينافي وحدة القدرة فكذلك تكثر المعلومات لا ينافي وحدة العلم وبالجملة فلا يقاس العلم الواجب بعلومنا الممكنة التي تتفرع على المعلوم وعلى العلم بالملزوم بالنسبة إلى لوازمها بواسطة وبدونها ويتعدد بتعدد معلوماتنا ومما قررنا من عدم منافاة وحدة العلم لتعدد المعلوم ربما يتنبه العارف أن لا منافاة بين وحدة الصنع وتكثر المصنوعات كما يقتضيه برهانهم على توحيد الافعال لا كما فهمه بعض القاصرين من أن فردا من الممكنات كالعقل الأول صادر منه تعالى والبواقي صادرة من ذلك الممكن بواسطة وبدونها وأنه يستحيل خلاف ذلك لبطلانه بالعقل والنقل قال الله تعالى هل من خالق غير الله وقال تعالى الله خالق كل شئ إلى غير ذلك ولا يجدي ما يقال من أن صنع المصنوع صنع الصانع نظرا إلى إقداره على ذلك لأنه لا يوجب استعانته تعالى ببعض مخلوقاته على خلق بعض آخر وهو باطل كسابقه بل بمعنى أنه تعالى صانع كل شئ بصنع واحد وإن تعدد بالإضافة على حسب اختلاف مراتب المصنوعات كما أنه قادر على الأشياء بقدرة واحدة وعالم بها بعلم واحد وإن اختلفت المقدورات والمعلومات في حد ذواتها وينبغي التنبيه على أمور الأول اختلاف العباد في الطاعة والعصيان مع تساويهم في القدر المعتبر في صحة التكليف من العلم والعقل والقدرة ناشئ من اختلاف إراداتهم واختلافها ناشئ من اختلاف دواعيهم واختلافها ناشئ من اختلاف إدراكاتهم وملكاتهم واختلافها ناشئ من اختلاف استعداداتهم ومنشأ هذا الاختلاف أمران الأول اختلاف ذواتهم وطبائعهم كما يدل عليه أخبار الطينة وقد أشير إلى ذلك فيما روي من أن السعيد سعيد في بطن أمه والشقي شقي في بطن أمه وليست الطينة جابرة على الفعل الجميل أو القبيح وإنما هي مستلزمة لصدوره عنهم بالاختيار عند عدم المانع فالمخلوق من طينة العليين يأتي عند استجماعه للشرائط المعتبرة بالافعال الجميلة باختياره على حسب ما فيه من الدواعي الناشئة من تلك الطينة الطيبة بواسطة الملكات الجميلة المفاضة عليها لأهليتها لذلك والمخلوق من طينة السجين يأتي بالافعال القبيحة باختياره على حسب ما فيه من الدواعي الناشئة من تلك الطينة الخبيثة بواسطة الملكات